تقرير: باسل محمود
كشف تقييم استخباراتي أولي أعدّته وكالة استخبارات الدفاع الأمريكية أنَّ الضربات الجوية الأخيرة التي نفذتها واشنطن على ثلاث منشآت نووية في إيران لم تُحقق الهدف المُعلن بتدمير البرنامج النووي لطهران. ووفقًا لما نقلته شبكة CNN عن سبعة مصادر مطّلعة، فإنَّ العملية التي وُصفت رسميًا بـ\”الناجحة تماما\” لم تؤدِ إلا إلى تأخير محدود لا يتجاوز بضعة أشهر.
وقد استند التقييم إلى تحليل أضرار المعركة الذي أجرته القيادة المركزية الأمريكية بعد العملية، مشيرًا إلى أن المكونات الأساسية للبرنامج النووي -وفي مقدمتها أجهزة الطرد المركزي ومخزون اليورانيوم المُخصب- لم تتضرر بشكل يُذكر.
تناقضات في الرواية الرسمية
رغم أن التقييم لا يزال في مراحله الأولية وقد يتغير مع توافر معلومات ميدانية أدق، إلا أن ما أثاره من جدل يعود لتناقضه مع تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ووزير الدفاع بيت هيغسِث، اللذين أكّدا أن منشآت التخصيب \”دُمِّرت بالكامل\”.
وفي رد مباشر على التسريبات، قالت كارولين ليفيت، المتحدثة باسم البيت الأبيض، إنَّ \”التقييم مُسَيَّس، وتم تسريبه من موظف منخفض الرتبة بهدف تقويض إنجاز الرئيس ترامب\”. وأضافت أن العملية تعد \”واحدة من أنجح الضربات العسكرية في التاريخ الحديث\”، مُتَّهِمةً أطرافًا في مجتمع الاستخبارات بـ\”تضليل الرأي العام\”.
أضرار سطحية والأنفاق تحت الأرض محمية
بحسب المصادر، فإن منشآت فوردو ونطنز وأصفهان -التي استهدفتها الضربات- لم تتعرض لتدمير شامل، بل اقتصرت الأضرار على البنية الفوقية، بما في ذلك أنظمة الطاقة ومرافق المعالجة، أما الأنفاق والمرافق الواقعة تحت الأرض فقد ظلت محصنة بدرجة كبيرة ضد الهجوم.
ووفقًا لتحليل إسرائيلي أولي، فإنَّ العملية قد تكون نجحت في تأخير البرنامج لعامين فقط، بشرط ألّا تتمكن إيران من إعادة البناء، لكن تقييمًا أكثر تشاؤمًا يؤكد أن التأخير لن يتجاوز أشهرًا إذا توفرت الإرادة والموارد التقنية لدى طهران.
ترامب يلغي جلسات الإحاطة والكونغرس يتذمر
في مؤشر على حساسية الموقف، ألغت إدارة ترامب جلسات الإحاطة السرية، التي كانت مقررة لمجلسي النواب والشيوخ، وقد أثار هذا القرار استياء بعض المشرّعين، أبرزهم النائب الديمقراطي بات رايان الذي كتب على منصة إكس: \”ترامب ألغى الإحاطة الخاصة بضربات إيران دون تفسير، وفريقه يعرف أنَّ الحقيقة لا تدعم روايته\”.
ويأتي الإلغاء في وقت يُطالب فيه نواب من الحزبين الجمهوري والديمقراطي بتقارير مفصّلة حول مدى فاعلية الهجوم، والتكلفة المحتملة لأي مواجهة طويلة الأمد مع إيران.
اقرأ أيضًا: النفط الإيراني يعود للأسواق.. هل تراجعت أمريكا فعلًا؟
القنابل الخارقة والتحصينات الإيرانية
أحد أبرز عناصر الجدل يتمحور حول فاعلية القنابل الخارقة للتحصينات التي استخدمتها الولايات المتحدة في منشأة فوردو، حيث يُقدّر وزن القنبلة الواحدة بـ30 ألف رطل، إلا أن منشأة أصفهان -الأعمق تحصينًا- لم تُستهدف بها، بل بصواريخ توماهوك أُطلقت من غواصة.
ويرى الخبير النووي جيفري لويس من معهد ميدلبري أن \”الصور الفضائية لا تُظهر دمارًا كاملًا\”، معتبرًا أنَّ بقاء المواقع تحت الأرض دون ضرر جوهري قد يُشكل قاعدة لإعادة إحياء المشروع بسرعة في حال قررت طهران الاستمرار.
ماذا عن منشآت إيران السرّية؟
بحسب مصادر استخباراتية، هناك منشآت نووية إيرانية لم تُستهدف بعد، ويُعتقد أنها لا تزال قيد التشغيل أو الحماية، مع العلم أنّ غياب التفتيش الميداني الكامل من قِبل الوكالة الدولية للطاقة الذرية يُعقِّد عملية التحقق من حجم الضرر الفعلي، أو مصير مخزون اليورانيوم المُخصب الذي قد تكون إيران نقلته إلى مواقع أخرى.
وفي هذا السياق، صرّح مسؤول رفيع في وكالة استخبارات الدفاع الأمريكية (DIA) أنَّ \”تقييم الأضرار لا يمكن أن يكون دقيقًا تمامًا دون زيارة ميدانية\”، ما يُضعف الثقة في الروايات الرسمية، سواء من واشنطن أو طهران.
أين ذهب اليورانيوم المُخصب؟
مصادر مُطَّلعة ذكرت أنَّ اليورانيوم عالي التخصيب لم يكن موجودًا في المواقع المستهدفة وقت الضربة، حيث يُعتقد أنَّ إيران قامت بنقله قبل العملية بساعات أو أيام، ضمن خطة إخلاء استباقية.
وتُشير التقديرات إلى أنَّ نحو 409 كيلوغرامات من اليورانيوم بدرجة تخصيب 60% -ما يكفي نظريًا لإنتاج 10 رؤوس نووية- لا تزال مجهولة الموقع، وتمثل هذه الكمية، بحسب خبراء الوكالة الدولية للطاقة الذرية، الورقة الأهم في يد إيران سواءً للتفاوض أو لتطوير برنامج تسلّح نووي فعلي.
اقرأ المزيد: مخزون إيران النووي عالي التخصيب.. أين اختفى؟
تقييم غير مكتمل لكن الدرس واضح
رغم تأكيدات ترامب بأنَّ \”كل شيء قد دُمّر\”، إلا أنَّ تحليلًا موضوعيًا يُشير إلى صورة مختلفة، فحتى إن كانت الضربات دقيقة فإن العمق الجيولوجي، وتحضيرات طهران المسبقة، والقيود التقنية على الأسلحة الأمريكية، كلها عوامل منعت تحقيق الهدف المعلن، وهو إنهاء البرنامج النووي الإيراني.
ووفقًا لمصادر في البنتاغون، فإنَّ إيران قد تتمكن من استعادة قدراتها بسرعة، ما لم تتعرض لسلسلة عمليات متواصلة، أو يتم التوصل إلى اتفاق دبلوماسي يُقيد أنشطتها بشكل فعّال.
قد يهمّك أيضًا: الأسواق العالمية تنتعش بعد إعلان وقف إطلاق النار بين إيران وإسرائيل








